محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
55
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
القانون الثامن قانون الفقر « 1 »
--> ( 1 ) قال الشيخ ابن سبعين وهو من أعظم وألطف ما قيل في رسالته الفقيرية : القول على الفقر من حيث الطريق : فنبدأ فنقول : الفقر هو الصبر على المكروه ، وشكر المنعم الحكيم ، والفتوّة المحضة ، ورفع الأذى كله ، وفعل ما يجب كما يجب على ما يجب في الوقت الذي يجب ، وتتفق دعوته التي داخل الذهن مع التي خارج الذهن ، ويطلع بالتركيب إلى بده ، ويهبط بالتحليل إليه ، ويدور بجملته عليه ، ويجعل الفقر الذي اتصف به نفسه وقصده ومقصوده دائرة وهمية ، ويجمع الوجود المقيد كله في نقطتها والمطلق في محيطها وينظر إلى الخطوط الخارجة من النقطة المذكورة إلى المحيط المذكور في خلده ويراها متساوية وينسبها . وينظر إليها ثانية من المحيط ويحذف الوسائط ويبصر الواسع في الضيق وينظر الأشياء في نفسه ثم يقطع حبل النظر والمنظور فيه من حيث المجاز والشفع ، ويصل حبل النظر والمنظور فيه من حيث الحقيقة والوتر ، ويصل مع ذلك النقطة المتقدمة بالمحيط ويجعلها جزء ماهيتها ، ثم يحقق الأمر ثانية ويجعلها ماهية واحدة ويقول : « ليس إلا الأيس فقط » و « هو هو » ويتصفح قوله ويتأول ما يلزم عنه ، ويقطع الإشارة كما قطع العبارة ، ويسكن في شأنه ويهمل مهمله ومخصصه من كل الجهات ويقف في ثلاثة مواطن ويموت ويحيا في خمس مواطن ، ويبعث من شأنه ويقذف في موضوع سره المشهور بالبرهان أن آنية اللّه هي أول الآنيات وآخر الهويات ، وظاهر الكائنات وباطن الأبديات . ويحدث في نفسه بالإسلام فيخبر عنه على غير ما كان يخبر ، ويحدث قبل ذلك ويشهد والمشهود والشهادة بشهادة الإنصاف ، ويعكس الضمير الأول على المخاطب الثاني ، ويتوب من اللواحق ومن الحروف التي تجر إلى الإضافة ويشعر بها ويقول : كل من في العالم بأسره لا يفعل شيئا واللّه هو الفاعل خاصة ثم يمحص مدلول كلامه ويخلّص جميع ما ارتهن فيه وينطق بالحق ويحذف المجاز وجميع ما يجر إليه ويلزم منه وعنه ، ويقول : العالم ميت بجميع ما فيه من مفارق للمادة وغير مفارق لها ، فلا حي على الحقيقة إلا اللّه . ثم يتفقه في الإطلاقات باقترانها مع المضافات وارتباط بعضها ببعض ويقول : ما خالف الوحدة المطلقة والوجود الواجب هو عدم من جهة ووجود من أخرى ، فلا موجود على الإطلاق ولا واحد على الحقيقة إلا اللّه إلا الحق إلا الكل إلا الهو هو إلا المنسوب إليه إلا الجامع إلا الأيس إلا الأصل إلا الواحد إلا الأصح أصح لا صح ص ح ح حم صمد حق ، لا نتهمه ولا نتوهمه . وكذلك يفعل في كل نسبه متجانسة ثم يعلل جميع ما أطلقه ، ويثبت ما ثبت بالبرهان وينتفي ما انتفى بالبرهان ويعلم كيف انصرام التوجه ، وإلى أين يصل المتوجه وبأي وجه يعدم ، وينسب مهمل الشريعة إلى مخصص الحقيقة ومهمل الحقيقة إلى مخصص الشريعة ويقول : من صحا وصحح أسراره محا اللّه إصراره . حكمة ثانية : ويقال الفقر هو الذي لا يظهر به على الفقير إلا لسان مخزون ، وقلب محزون ، وفعل موزون ، وفكرة تجول فيما هو كائن ومكون . حكمة ثالثة : ويقال الفقر هو الخلافة الباطنة ، كما أن الملك المشار إليه هو الخلافة الظاهرة . حكمة رابعة : ويقال هو نوع من أنواع التصوف ، وهو خيرها . ورب نوع أفضل من جنسه . كالإنسان مع الحيوان . -